اسماعيل بن محمد القونوي
19
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
الضمير المستتر في من عند اللّه مع أنه أقرب لفظا ومعنى لكونه معرفة لأن كونه مصدقا لما معهم غير مقيد بكونه من عند اللّه في أكثر المواضع فالتطابق أولى وأحسن وقيل بأن تقييد المجيء بالحال أنسب . قوله : ( وجواب محذوف دل عليه جواب لما الثانية ) تقديره استهانوا به أو بمجيئه أو كفروا به وكذبوا فإن المجيء المذكور سبب للتصديق به لكنهم لقسوة قلوبهم وانهماكهم في حب الرياسة والمال وتقليدهم كان ذلك المجيء سببا لكفرهم واستهانتهم أو أنهم جعلوا ما هو سبب في الحقيقة للإيمان والفلاح سببا للكفر والخسران وفيه إشارة إلى رد ما قوله : وجواب لما محذوف دل عليه جواب لما الثانية وهو كفروا به فإنه دل على أن جواب الأولى ما في معناه من جنس الكفر والتعذيب فيجوز أن يقدر هنا أيضا كفروا به أو يقدر استهانوا أو ردوه امتنعوا أو ما أشبه ذلك ولعل النكتة في حذفه الابهام والشيوع وقال المبرد جوابهما أي جواب لما الأولى ولما الثانية كفروا به أعيدت لما الثانية لبعد العهد ونظره شارحوا الكشاف بقوله تعالى : أَ يَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ [ المؤمنون : 35 ] كرر أنكم لبعد العهد وبقوله تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [ آل عمران : 188 ] فإنه تكرير لقوله تعالى : لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ [ آل عمران : 188 ] وإلحاق الفاء للإشعار بأن أفعالهم المذكورة علة لمنع الحسبان ويقول الشاعر : لقد علم الحزب اليمانون أنني * إذا قلت أما بعد أني خطيبها ورد هذا الوجه بأنه حينئذ لا معنى للفاء وبأنه يلزم التنافر بين الشرط والجزاء فإن الشرط كلام في حق الكتاب والجزاء كلام في حق الرسول لأن المراد بما عرفوا محمد الذي عرفوه ووجدوا نعته ووصفه في التورية وأجيب عن هذا الرد بأن الفاء أقحمت إشعارا بأنه عقيب استفتاحهم به جاءهم وعرفوه وكفروا به كما جيء بالفاء في قوله تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ [ آل عمران : 188 ] إشعارا للعلية وبأن التنافر قد زال بتقدير الكلام بعد لما الثانية في الكتاب والرسول معا يدل عليه بيان ما يقوله من الحق والحق شامل للكتاب والرسول وقال الفراء جواب لما الأولى في الفاء وما بعدها وجواب لما الثانية كفروا به وقد ضعفه أبو البقاء بأن لما لا يجاب بالفاء وضعفه غيره بالتنافر المذكور والجواب عنهما هو الجواب المذكور للمبرد أقول الأشبه عندي في دفع التنافر على تقدير كون جواب لما الأولى كفروا به ولما الثانية تكرير الأولى أو على كون الجواب الشرطية الثانية أعني لما الثانية مع جوابها أن يكون المراد بما عرفوا الكتاب الذي جاء به محمد صلّى اللّه عليه وسلّم لأن معرفة بعثة رسول بنعته من كتابهم يستلزم معرفة مجيء ذلك الرسول بكتاب فيكون الكلام في الشرط والجزاء كائنا في حق الكتاب برشدك إليه ذكر لفظ ما دون من حيث قيل ما عرفوا دون من عرفوا فيرتفع التنافر وغايته أنه عمم المعروف قصدا بطريق الإدماج إلى أنهم كفروا بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم في ضمن كفرهم بكتابه لأن التكذيب بكتاب رسول يستلزم تكذيبه في دعوى أنه نبي مرسل وأما الكلام في الفاء فقد دفع آنفا ببيان فائدتهما وأولى الوجوه ما اختاره المصنف رحمه اللّه من جعل الكلام جملتين مستقلتين مصدرتين بلما لأن الآيات المتقدمة مسوقة لذم اليهود بتكذيبهم الكتب المنزلة بسوء صنيعهم بالرسل فمقتضى السباق والسياق أن تكون الشرطية الأولى موردة لبيان تكذيبهم بالكتاب الذي هو القرآن والشرطية الثانية لبيان تكذيبهم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي هو أفضل الرسل .